
:
البيت الواحد لا يحتمل نارين: نار العجز ونار الخلاف. واليوم، باتت فاتورة الكهرباء ناراً ثالثة تشتعل داخل كثير من بيوتنا بسبب “العداد المشترك”.
1. المشهد: عداد واحد لعدة أسر
غلاء الإيجارات وصعوبة الحصول على سكن مستقل دفعت كثيراً من الأسر الممتدة للعيش في حوش واحد أو منزل كبير ورثوه عن الآباء. أبناء العم، والإخوة المتزوجون، كل أسرة في غرفة أو شقة صغيرة، لكنهم جميعاً شركاء في عداد كهرباء واحد.
هنا تبدأ المشكلة. آخر الشهر يأتي إشعار الشراء، والمبلغ كبير. من يدفع أكثر؟ ومن يستهلك أكثر؟ تبدأ الاتهامات: “أنتم تشغلون المكيف طوال الليل”، “وأنتم لديكم ثلاجتان وديب فريزر”، “أطفالكم لا يطفئون الأنوار”. تتحول جلسة القهوة إلى محكمة، وصلة الرحم إلى ساحة حساب. شرارة كهرباء تحرق الود الذي بناه الأجداد في عقود.
2. الثمن الاجتماعي: حين يقتل الكيلواط صلة الرحم
المشاكل الناتجة عن العداد المشترك تجاوزت الجدل الكلامي إلى قطيعة حقيقية. زوجات إخوة يقاطعن بعضهن، وأطفال أبناء العم يمنعون من اللعب معاً، ورجل كبير في السن يُجبر على دفع مبلغ لا يملكه لأنه “يُحسب” ضمن الأسرة الأكثر استهلاكاً.
الأسوأ أن غياب العدالة في توزيع التكلفة يولد شعوراً بالظلم. أسرة ترشد الاستهلاك وتطفئ الأنوار، تجد نفسها تدفع فاتورة أسرة أخرى مسرفة. فتختار أحد الحلين: إما المشاكل اليومية، أو الانفصال عن التيار والعيش في الظلام حتى لا تدفع ما لم تستهلكه. وفي الحالتين، الخاسر هو التماسك الأسري.
3. الحل الجذري: عداد لكل أسرة
المشكلة ليست في الناس، بل في النظام. والعلاج لا يكون بالمواعظ فقط، بل بتغيير الواقع. وهنا يأتي دور الشركة السودانية للكهرباء.
أقترح على الشركة السودانية للكهرباء مبادرة عاجلة: تخفيض أسعار العدادات الجديدة وتقسيطها لتكون في متناول الأسر ذات الدخل المحدود. فكثير من الأسر تريد الانفصال بعداد مستقل لكنها تعجز عن دفع رسوم العداد التي تتجاوز أحياناً مرتب شهرين.
4. لماذا هذا الحل يربح فيه الجميع؟
أولاً: ضمان تحكم كل أسرة في استهلاكها فعندما يكون لكل شقة عدادها، تتحمل كل أسرة نتيجة استهلاكها. من يريد أن يسرف، يدفع. ومن يرشد، يوفر. ينتهي عهد “الحساب بالبركة” وتبدأ ثقافة الترشيد الحقيقي لأن المال من الجيب مباشرة.
ثانياً: منع الاحتكاك وحماية النسيج الأسري
فالعداد المستقل يزيل السبب الرئيسي للخلاف. لن تسمع بعدها “أطفئ مكيفك” أو “لماذا غسالتكم تعمل كل يوم”. يعود الود، وتعود الزيارات، ويعود البيت الكبير مكاناً للمة لا للمحكمة. نحن نحمي كيلوواط الكهرباء، لكن الأهم أن نحمي كيلوواط المحبة بين الناس.
*ثالثاً: مصلحة الشركة نفسها.. توسيع رقعة العملاء و تخفيض سعر العداد ليس خسارة للشركة، بل استثمار ذكي. كل عداد جديد يعني عميل جديد يدفع رسوماً شهرية ثابتة + استهلاك. بدلاً من عداد واحد يغذي 4 أسر بمشاكل وتأخير في السداد، يصبح لديك 4 عدادات بأربع فواتير منتظمة. هذا يرفع التحصيل، ويقلل الفاقد، ويحسن التخطيط للأحمال.
كما أن فصل الأحمال يخفف الضغط على الشبكة. فالعداد المشترك غالباً ما يتعرض للحمولة الزائدة والتعطل بسبب تشغيل 3 مكيفات و4 ثلاجات في وقت واحد، مما يكلف الشركة صيانة مستمرة.
ختاماً: الكهرباء ليست رفاهية، بل حق أساسي. والسلام داخل البيت الواحد حق أيضاً. لا يجوز أن نضطر للاختيار بينهما.
رسالتي للشركة السودانية للكهرباء: بادروا بحملة “عداد لكل أسرة” بأسعار رمزية وأقساط مريحة. اكسبوا رضا الناس وولاءهم، واكسبوا عملاء جدد، واكسبوا أجر إطفاء نار الفتنة التي تشتعل في آلاف البيوت بسبب فاتورة واحدة.
فالوطن لا يُبنى بالمحطات فقط، بل بالبيوت المطمئنة. والبيت لا يطمئن وعداد المشاكل شغال 24 ساعة.


